العلامة الحلي
26
الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )
إذا تقرّر هذا فاعلم ، انّ الحسن والقبح يقالان على ثلاثة معان : الأوّل ، كون الشّيء صفة كمال ، كقولنا العلم حسن ، أو صفة نقص كقولنا الجهل قبيح . الثّاني ، كون الشّيء ملائما للطّبع كالمستلذّات أو منافرا عنه كالآلام . الثّالث ، كون الحسن ما يستحقّ على فعله المدح عاجلا والثّواب آجلا والقبيح ما يستحق فاعله على فعله الذّمّ عاجلا والعقاب آجلا ، ولا خلاف في كونهما عقليّين بالاعتبارين الأوّلين ، وأمّا باعتبار الثّالث فاختلف المتكلمون فيه ، فقالت الأشاعرة ليس في العقل ما يدلّ على الحسن والقبح بهذا المعنى ، بل الشّرع ، فما حسّنه فهو الحسن ، وما قبّحه فهو القبيح . وقالت المعتزلة والإمامية في العقل ما يدلّ على ذلك ، فالحسن حسن في نفسه ، والقبيح قبيح في نفسه ، سواء حكم الشّارع بذلك أولا . ونبّهوا على ذلك بوجوه : الأوّل ، انّا نعلم ضرورة حسن بعض الأفعال كالصّدق النّافع والإنصاف والإحسان وردّ الوديعة وانقاذ الهلكى وأمثال ذلك ، وقبح بعض كالكذب الضّار والظّلم والإساءة الغير المستحقّة وأمثال ذلك من غير مخالجة شكّ فيه . ولذلك كان هذا الحكم مركوزا في الجبلّة الإنسان ، فانّا إذا قلنا لشخص : « إن صدقت فلك دينار وإن كذبت فلك دينار » ، واستوى الأمران بالنّسبة إليه ، فإنّه بمجرّد عقله يميل إلى الصّدق . الثّاني ، انّه لو كان مدرك الحسن والقبيح هو الشّرع لا غيره ، لزم ان لا يتحقّقا بدونه ، واللّازم باطل ، فالملزوم مثله . أمّا بيان اللّزوم فلامتناع تحقّق المشروط بدون شرطه ضرورة . واما بيان بطلان اللّازم ، فلانّ من لا يعتقد الشّرع ، ولا يحكم به كالملاحدة وحكماء الهند يعتقدون حسن بعض الأفعال ، وقبح بعض من غير توقّف في ذلك . فلو كان مما يعلم بالشّرع لما حكم به هؤلاء . الثّالث ، انّه لو انتفى الحسن والقبح العقليّان ، انتفى الحسن والقبح الشّرعيّان ، واللّازم باطل اتفاقا ، فكذا الملزوم وبيان الملازمة بانتفاء قبح الكذب حينئذ من الشّارع ، إذا العقل لم يحكم بقبحه ، وهو لم يحكم بقبح كذب نفسه ، وما إذا انتفى قبح الكذب منه انتفى الوثوق بحسن ما يخبرنا بحسنه وقبح ما يخبرنا بقبحه .